ابن كثير

215

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 43 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 ) يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم ، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم ، من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه . وقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى يعني أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء اللّه من المشركين ، كما قال تعالى : وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [ الحاقة : 9 - 10 ] . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا : حدثنا عوف عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : ما أهلك اللّه قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى ، ثم قرأ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية . ورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي بنحوه ، وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى القطان عن عوف عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد موقوفا ، ثم رواه عن نصر بن علي عن عبد الأعلى عن عوف ، عن أبي نضرة عن أبي سعيد رفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أهلك اللّه قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى » ثم قرأ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية . وقوله : بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً أي من العمى والغي ، وهدى إلى الحق ورحمة ، أي إرشادا إلى العمل الصالح لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي لعل الناس يتذكرون به ويهتدون بسببه . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 44 إلى 47 ] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 ) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 ) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 ) وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم ، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب ، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك ، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها قال تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل عمران : 44 ] الآية ، أي وما كنت

--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 76 .